محمد أبو زهرة

354

المعجزة الكبرى القرآن

« الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيدا ، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد . والبر بالبر مثلا بمثل يدا بيد . والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد . والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد . فمن زاد أو استزاد فقد أربى » . فهذا النوع من التعامل سماه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ربا ، فكان ربا بمعنى الاصطلاح ، وهو الذي فيه الوجوه الكثيرة . أما ربا القرآن فهو ربا الجاهلية . وهو الذي قال فيه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في حجة الوداع : « ألا إن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به هو ربا عمى العباس بن عبد المطلب . فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون » . والربا الجاهلي معروف وهو الزيادة في الدين في نظير الأجل ، فإن سدد في عام كانت الزيادة واحدة ، وإن لم يسدد ضاعف الزيادة ، وهكذا مما نراه في المصارف في هذه الأيام . ولكن الذين يثيرون الشك حول الشمس والقمر المذكورين في القرآن يثيرون الشك في ربا الجاهلية . فيقولون : ليس ربا الجاهلية هو الربا الذي يكون في القروض الاستغلالية ، لأن المقترض يستغل الدين فيكتسب فيكون من عدلهم المزعوم أن يجعلوا للدائن سهما محدودا في الدين سواء أخسر المقترض أم اكتسب ، ويقصرون ربا الجاهلية على الربا الذي يكون فيه قرض استهلاكى يقترض المدين ليدفع حاجات ضرورية ، ويكون الربا في هذه الحال منافيا للمروءة والخلق الكريم ، ذلك تأويلهم الذي لا سند له من نص ، أو قياس معقول ، ولكنه تفكيرهم الذي يخرجون به عن حدود النص . 220 - إن التأويل بتخصيص لفظ عام في القرآن يكون بتخصيص من القرآن نفسه ، أو بتخصيص من المفسر الأول للقرآن وهو النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فكل تخصيص لعام القرآن الكريم من غير ذلك يكون حكم الهوى في القرآن ، ويكون ردا على صاحبه ، ولفظ القرآن عام يعم في الربا في القرض الاستهلاكى والاستغلالى على سواء ، وهذا فوق أن ذلك التأويل الشاذ عند علماء الشريعة فيه مصادمة للنص القرآني ، من غير دليل ، فإن النص القرآني فيه ما يدل على بطلان ذلك التأويل الذي دفع إليه الهوى ، والحال التي كانت عليه البلاد الحجازية تناقضه ، والحوادث التي كانت في عصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تقاومه لما يأتي : أولا - أن المشركين قالوا مقالة أولئك الذين يحكمون هواهم في القرآن ، ذلك أنهم برروا أكلهم الربا بأن شبهوه بالبيع ، وقال اللّه فيهم : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ، ومؤدى كلامهم أنهم يعتقدون مشابهة بين ما يكسبه المقترض بالبيع والشراء ،